بانوراما



"وهو يحاورني وأحاوره"- ج II.. محمد عسيلة في رحلة فكرية مشوّقة وجريئة مع منصور عيوني

22-08-2019 23:11:31

هو نص يأخذ شكل حوار لكنه يتجاوز القالب التقليدي للحوارات الصحفية، كونه أولا يجري بين مثقفين مغربي وتونسي، وتدور أسئلته حول هموم ثقافية وفكرية يبلورها المحاوِر محمد عيسلة* في قالب إشكاليات وتساؤلات ويطرحها على المحاوَر منصور عيوني**. ولا تقتصر قيمة هذا النص في المضمون الفكري الثري الذي تحمله الأسئلة والإجابات، بل تتعداه إلى مستوى حوار راقِ بين مثقفين مغاربيين إختارا لغة راقية للحوار في زمن تعج فيه وسائل التواصل الاجتماعي ومواقع الانترنت بألوان من اللغط.

وفي الجزء الثاني من الحوار يغوص محمد عسيلة مع منصور عيوني في رحلة فكرية توجهها أسئلة حارقة حول قضايا الثقافة والدين والجاليات المسلمة في الغرب، وترسو على إجابات عميقة مرصعّة بالمعاني والتأملات.

وفيما يلي نص الجزء الثاني من الحوار:

 

أستاذي سي منصور، بعد تجربتنا المتواضعة "و هو يحاورني و أنا أحاوره" و التي لقيت استحسانا من بعض الاخوة و الأخوات، يسعدني ان نواصل مسيرة هذا الحوار الشيق و الذي يربط ألمانيا بتونس و المغرب؛ و يوثق لأفكار و تجارب إنسانية فريدة و متفردة و منبعثة من دواخل الاهتمام الصادق للدفع بعجلة التفكير و خلق السؤال المحرج حول قضايا إنسانية كونية.

 

محمد عسيلة:

أستاذي وأخي الفاضل سيدي منصور، سنحاول ان نعالج في هذا المحور مجالا حاسما مرتبطا بالثقافة التي تشمل حسب التعريفات الدين واللغة والعادات والتقاليد والمفاهيم والأفكار.

أستاذي الكريم، هل يعيش العالم العربي والاسلامي في خضم هذه العولمة أزمة مفاهيمية في تحديد مفهوم الثقافة ودور المثقف؟

منصور عيوني:

يُسعدني جدّا مواصلة هذا الحوار اللّطيف لطف روحكم أستاذي العزيز سيدي محمد. وبعد، فإنّ الثّقافةَ هي ما يتبقّى بعد أن تضع المُنجزات التّاريخيّة الكبرى لأيّ شعب أوزارها، وتُطْبِقَ النّهاياتُ التي تنتهي الآن، على البدايات التي ينبغي أن تبدأ الآن. إنّها الحوارُ الصّعبُ بين أجداد أورثوا أحفادهم قطعة أرض معفّرة بعطر المعنى وإيقاع الحكايات، وأحفاد تغيّر كلُّ شيء من حولهم، حدودُ الأرض وسُلَّمُ المعنى وجوقةُ الحكايات، وصاروا يضيقون بما يعتري وجودهم الذّاتيّ من تبعثر وما يعتري حركتهم بين الأمم من نشاز.

الثّقافةُ إذن هي ذلك المخاض العسير الذي يخوضه الرّمزُ داخل "العقل الخلّاق" هو يصارع كي يتخلّص من ثقل الذّاكرة من جهة، ويقفز على أُطُر الواقع المعطِّلة من جهة أخرى، ويبحثَ لنفسه، بما هو آلة التّحديث لوطن بأسره، عن مكان ما، تحت الشّمس، في عالم جديد ذي سيولة هائلة. وحده العقل الخلاق، كما يعرّفه المفكّر السّوداني المغمور السيد أحمد الشيخ في نظريّته "الفاعليّة"، قادر على بناء الثّقافة والدّفع بها إلى مجال الشّؤون البشريّة لكي تهذّبها وتؤصّلها وتؤنسنها، هذا من جانب، وإلى مجال الارتقاء الغيبيّ بمفهومه الفلسفيّ، من جانب آخر، لكي تساعد الإنسان التّونسي أو المغربيّ والنيجريّ والألماني على اجتراح أجوبة ذات مصداقيّة لأسئلة الوجود الكبرى بعيون تونسيّة أو مغربيّة أو نيجريّة أو ألمانية.

ولكنّ هذا العقلَ الخلاّقَ هو الابنُ العاقُّ لبنية العقل العربيّ التّقليديّة الرّهيبة، إذ يجذبه إلى الأسفل عقلان مهيمنان هما العقل البيولوجيّ الذي سمته الجشع والإشباع، والعقل البورجوازيّ الذي سمته الأنانيّة والاتّباع. فأمّا الأوّل فلا يهمّه المعنى إطلاقا، وهو يستهلك ما يُقدّم له من أشكال وجوده المصنّعة في ورشات التّأثير العالميّ وقنوات التّوجيه الإعلامي وبين صفحات الشّبكات الاجتماعيّة. وهو يمثّل الغالبيّة السّاحقة من النّاس في عالمنا العربيّ. فيما يستقرّ الثّاني في بعض الرّؤوس فقط من ذوي الحظّ التّاريخيّ لأنّ عائلاتهم كانت ثريّة أبا عن جدّ، أو أصبحوا صدفة أثرياء بعد أن تفهّموا "رسالة المستعمر" وتفاهموا معه، أو لأنّهم أبناء الجهة التي ينحدر منها زعيم تاريخيّ منقضّ على الحكم، أو لأنّهم صنعوا ثروتهم الطّائلة وما تولّد عنها من نفوذ واسع بعرق جبينهم (وهي لعمري إشاعةٌ تاريخية يصدّقها فقط الطّيبون لكي يقنعوا بفقرهم، وهذا أفضل لهم !).

مكوّن العقل البورجوازيّ أنانيّ بطبيعته، وهو من يشكّل السّياسات من أجل تخصيب الثّروة باستمرار، وتحويل الشّعب بأسره إلى طبقة عاملة، ببدلات زرق (نسميها "دِنْقْري" في تونس، ومجسّات بصمات تحسب عليهم أوقات دخولهم وخروجهم إلى الورشات، كما لا تنسى أن تحسب عليهم أنفاسهم وإيقاع أفكارهم، رغم كونها أنفاسا قليلة وأفكارا بسيطة لا تتعدّى: "كيف سأفاتح صديقي عمر هذا المساء ونحن في المقهى لكي أحصل منه على سلفة من أجل زواج ابنتي"، "ليفربول لا يمكنها أن تكسب هذه اللّيلة، وإلاّ فإنّي سأستحيل إلى أضحوكة كرويّة غدا بين زملائي في الورشة"، "الصّحفي فلان الفلاني  يكره المترشّح للرّئاسيّات فلان الفلاني لأنّه يوزّع علب الطّماطم على الفقراء، وأنا لستُ فقيرا ولكنّي أكره ذلك الصّحفيّ. إذن فسأصوّت، أنا وزوجتي وعمّتي التي آويها لهذا المترشّح نكاية في ذلك الصّحفيّ !""، وهكذا..

بهذا الطّرح السّريع أكون قد أجبتك ضمنيّا عن سؤالك عن أزمة المفاهيم، مقرّا بها على كلّ حال، ومحاولا في الوقت نفسه الإسهام في حلحلتها. وهي أزمة بناء موروث شديد الصّلابة، تدافع عنه منظومة شديدة الشّراسة، يدعمها "مواطن" تملّكته السّطحيّة إلى حدّ الغباء، ويواجهها مثقّف مجرّد من سلاحه، مُفقَّر عن سابق إصرار وترصّد، وتمارس عليه كلّ أشكال التّهميش والاستخفاف والازدراء، ليس من الأنظمة فحسب، بل من المجتمعات أيضا

 

منصور العيوني: مأساتنا الحضاريّة في هذا العالم العربيّ مأساة فقهية

 

محمد عسيلة:

جميل و صعب هذا الطرح الذي تفضلت به. دور المثقف إذن دور صعب في فقه كنه هذه التركيبة و الخروج بعقل سليم السريرة إن صح التعبير ليساهم في بناء الانسان بذات واعية. هنا يمكننا الحديث ان صح التعبير عن "تلوث ثقافي"يشكل ضررا على المجتمع و التربية و منظومة القيم. ما أسباب هذا التلوث في نظركم و كيف نخرج بحلول واقعية داعمة لخلق صفاء و أجواء نقية لتنتعش الثقافة؟ من المسؤول في نظركم عن هذا "التلوث"؟

منصور عيوني:

كلّ الشّعوب العظيمة التي أحدثت طفرة تنمويّة في الزّمن المعاصر، من الصّين والهند واليابان، إلى ماليزيا وكوريا والبرازيل، إلى روسيا وتركيا وإيران، إلى روواندا وأثيوبيا وساحل العاج، فهمت أنّ التّنمية مدخلها ثقافيّ. لذلك تَراها تثابر في إعادة إخراج صورتها للعالم، إخراجا ثقافيّا داعما لرؤاها الاستراتيجيّة. تلمس ذلك في سياساتهم الثّقافيّة، وفي الحركيّة الإبداعيّة لديهم وفي الرّفاه الذي تراه في وجوه مثقّفيهم حين تقارنهم بالمثقف العربيّ المسكين. تضع هذه الدّول برامج طويلة الأمد، وقد ساقتني الظروف المهنيّة إلى المشاركة في تصميم البعض منها، وتحشد لها الدّعم الكبير من الدّول المانحة، لدفع جميع مؤسّسات الدّولة نحو الاحتفاء بالمُثقّف وتهييئ مناخات الإبداع له وإعفائه من التّخبّط في مشاغل الحياة اليوميّة لأنّ وقته وقت وطنيّ بامتياز، ثروة لا ينبغي إهدارها.

أخي الكريم، أنت لا تقدر أن تكون تاجرا ناجحا إذا ما انتصبت في السّوق دون ميزة، ودون خطاب جذّاب، ودون عرض أنيق لسلعتك ووعي بنقاط قوّتك وفهم لمسار رحلتك الطّويلة التي قطعتها من أجل جلب بضاعتك. كلّ هذا لا توفّره سوى الثّقافة في حقل تجارة الأمم، ولكنّ ثقافتنا، كما ذكرتَ، ملوّثة بما شاء الله، بل بما شئنا لها نحن من رداءة وارتهان ورجعيّة.

الرّداءةُ هي ما نراه اليوم في المشهد الثّقافيّ في بلد متحوّل مثل تونس، حيثُ سقطت الكلمة، وتبعثر اللحن، وتخشّب الرّكح، وعمّت الفوضى الإبداعيّة بشكل غير مسبوق. والرّداءة سببها الارتهان، حيث تقهقر المبدعون الحقيقيّون إلى الخلف وتدافع المتطفّلون من أنصاف المبدعين مثل "اللّئام على موائد الكرام" (وما هم بكرام)، وأصبحوا هم من يمثّل ثقافة تونس وغناء تونس وشعر تونس ومسرح تونس وفكر تونس وخطاب تونس الحضاريّ والفلسفيّ ووعيها التّاريخيّ وضميرها الدّينيّ. وهو ارتهان لما أسمّيه "منصّات التّأثير" السّياسية والإعلاميّة والمخابراتية، وهي منصّات هدفها الحكم بأيّ شكل، وتحصين المصالح بأيّ ثمن، تجذب أهل الثّقافة وتوظّفهم في خدمتها بنذر قليل من المال وربطة عنق، مع فضاء إعلاميّ مفتوح يقتحمون به بيوت التونسيين ليتلوا عليهم تعويذاتهم الرّكيكة والمملّة.

أمّا السّبب العميق لهذا الارتهان فهو الرّجعيةُ الفكريّة التي تشكل الحريّة عدوّها اللّدود. إذ ما نحن فيه اليوم في تونس، ليس بحرّية، بل إعادة انتشار لكتائب الرجعيّة الثّقافية، سواء كانت رجعيّةَ المجموعات الدينيّة التي تحلم بانبعاث الخلافة بجُبّة تونسيّة أو رجعيّةَ التّيّارات الأيديولوجية التي تنتقد الإسلام السّياسي وتأتي فعله أو رجعيّةَ الدّولة التّاريخيّة التي تعمل على تأبيد النظام القديم.

من سيواجه هؤلاء يا ترى إن لم يكن المثقّف؟ ولكنّهم إذ يحاربون المثّقف في وجوده، بقمعه وتوظيفه وتسييسه، يجعلونه يتخبّط في بركة هائلة سوداء من الرّداءة، لكي ينسى البتّة أن يقول "لا"ويرفع في وجهم عصا الرّفض الأبديّة: النّقدُ الحيويُّ للنّظام القائم، الإحراج المعرفيُّ للسلوكيات الرّاسبة مهما ادّعت أنّها قدسية، التّركيب الإبداعيّ للواقع المعيش وتغذية أبعاده الإنسانية، هو ما يلزم لكي نخرج من هذا المستنقع.

وبما أنّ الثّقافة الشّعبية لا يُعوّل عليها، فقد تمّ طمسها في بلادنا ولم يبق منها غير مهرجانات الخيول و"زردة"(وليمة)الأولياء الصّالحين، وبما أنّ الفضاء الرّيفيّ بما هو حامل لذاكرة الشّعب قد تم اقتحامه هو أيضا بدعاية إعلاميّة لـLife Style جديد وبشبكات ماء وكهرباء وما يتولّد عنها من فواتير يجب دفعها آخر كلّ شهر، وبما أنّ الأنتلّيجنسيا التّونسيّة فردانيّة ومناسباتيّة وانتهازيّة إلى حدّ كبير، فإنّ ما تبقّى من أمل لتثوير الواقع الثّقافيّ من أساسه تحمله كتلة حرجة من المفكّرين والمبدعين التّونسيّين يعملون بصبر كبير وينتجون أرقى الأفكار وينشرونها، رغم كلّ شيء، في كتب ترتقي إلى كونها منارات للثّقافة العربيّة والإنسانيّة، في مجالات حسّاسة مثل الفكر الدّيني، والفلسفة، والألسنيّة، والأنثروبولوجيا والنّقد التّاريخيّ. هؤلاء لا يتجاوزون العشرات ولكنّهم لا يموتون، بل يواصلون المسير فقط

 

منصور العيوني: كلّ الشّعوب العظيمة التي أحدثت طفرة تنمويّة في الزّمن المعاصر..فهمت أنّ التّنمية مدخلها ثقافيّ

 

محمد عسيلة:

نعم سيدي منصور، المثقف لا يموت بل يحيى كضمير جمعي في فضاءات مختلفة. لهذا يتم اعتبار المثقفين دعاة نور و مصابيح المجتمع الذين ينيرون طريقه؛ هل ترون ان هناك صراعا خفيا بين الفقهاء و المتدينين و المثقفين في البحث عن طرق التحرر من التبعية و خلق العدالة الاجتماعية و النمو و النماء الفكري؟

منصور عيوني:

دعني أقولها بشكل خامّ، دون مساحيق، وبكامل الوعي والمسؤوليّة: مأساتنا الحضاريّة في هذا العالم العربيّ مأساة فقهية. والفقه، من حيث هندستُه المعرفيّة، لا يولّد الثّقافة مطلقا بل يُحنّطها، لأنّه لا يشتغل على ابتكار المعنى بل رصّ المعاني المتوهّجة المتولّدة عن واقع حيّ ومنفجر في أطر قديمة بالية، أي إرجاع المعنى إلى النّص، ويا له من نصّ.

قد أوافق نصر حامد أبو زيد حين يقول إنّ الحضارة العربيّة الإسلاميّة هي حضارة النّصّ بامتياز، مثلما أنّ الحضارة المصريّة هي حضارة الموت بامتياز، ولكنّي أرى النّصّ الدّينّي الوحيد الذي يرتقي إلى مرتبة الفاعليّة الثّقافيّة، اعترفنا بذلك أو لم نعترف، هو النّصّ القرآنيّ وليس ما عداه من مدوّنات "أحاديثيّة" أغلبها موضوع ومتهافت ومتناقض مع صميم ما جاءت به النبوّة المحمّديّة من مضامين إنسانيّة راقية. بل نحن تنقصنا الشّجاعة ربما للنظر إلى ما حفّ بإنتاج تلك النّصوص من ملابسات تاريخية ومؤامرات سياسية محفوفة بالصّراع على السّلطة بين القبائل والعائلات. ممّا جعلنا نقبل بها بطريقة دغمائيّة، يتعطّل فيها العقل، وتهبط بالذّوق السّليم إلى درجاته الدّنيى، وتعلي من شأن المؤسسة الفقهيّة وهي التي لم يكن لها وجود أصلا في عصر النبوّة، ولا هي تعليم من تعليمات القرآن، لا هي ولا الخلافة ولا الشّريعة حتّى.

أعرف أنّ هذا الكلام صادم، وأنّ كثيرا ممّن يسمعه سوف يلقي بي سريعا في اليمّ، يمّ الملحدين أو يمّ اللاّدينيّن أو يمّ القرآنيّين في أحسن الظروف.

والحقيقة أنّي مؤمن بالله ودينيّ بالمعني الّذي أرتئيه لنفسي من قيمة التّديّن، ولست قرآنيّا فهذا النّعت مستحيل التّحقّق ومفرغ من المعنى. وإذا أراد المصابون بحمّى التّصنيف أن أريحهم من هذا اللّغط، فأنا أصنّف نفسي بوصفي "مسلما ثقافيا".

وما أسمّيه "الإسلام الثّقافي"هو الطّرح الإنسانيّ الأعلى للمسألة الدّينيّة في علاقتها بفكرة الوجود أوّلا، ثمّ بالذّات والمجتمع. وهو الحلّ الوحيد لإدارة الصّراع القائم بين مؤسسة الفقه وديناميك الرّفض الثّقافي. لأنّه طرح يقبل بالجميع، فكلّ ما أنتجته الحضارة العربيّة من نصوص، قدسية كانت أو تاريخية، آيات كانت أو خرافات من أساطير الأوّلين، تعكس واقعا ما انكتب بحبر ما وروجته سلطة قائمة ما.

ومن هذه النّافذة الثّقافيّة، يصبح النّصّ متعدّدا ومتغيّرا وحنيفيّا، وهي المعنى الأصيل لحنيفيّة الإسلام، نعود إليه لنعبّد به ونغرق في الملكوت مثلما يحصل لمؤمن يقرأ القرآن عندما ينبجس الفجر، مثلما نعود إليه لنفكّكه من أساسه ونعيد تركيبه، على ذوقنا نحن أبناء هذا العصر، مثلما ينبغي أن نفعل مع مفاهيم الشريعة والحدود والجهاد في سبيل الله وغيرها.

أنا لا أرى سبيلا إلى محاورة المسلمين للآخر العالميّ، في أوروبا وغيرها، دون طرح ثقافيّ للإسلام، يعلي قيمه الإنسانيّة، ويروّج لعاطفتة الرّوحية، ويبرهن على راهنيّته المعرفيّة، ويعترف بما في موروثه من مطبّات وفتن وانقلابات غذّاها جميعا زواج المتعة الأثيم بين السّلطة والمؤسسة الفقهية. كما أرى أننا في حاجة إلى قطيعة كبرى على المستويين الأنطولوجي والأنتربولوجي مع فكرة "السّلفيّة" التي هيمنت على العقل العربيّ وتمكّنت منه وأصابته بإعاقة ثقافيّة مزمنة، وحملت إليه أنظمة استبداديّة ضربت قيمة الحرّية في مقتل.

والإسلام الثّقافيّ الذي أدعو إليه هو أن نبدأ بنزع رداء الظّاهر من تفاصيل عبادات وتفاصيل لباس وأنواع عطور، ونتوجّه إلى الباطن القرآنيّ الذي يبدو أننا "لم نقرأه بعد" على رأي الفيلسوف التونسي يوسف الصّدّيق، ونضطلع بدورنا الخَلَفِيّ، وليس السَّلَفيّ، في السّموّ بأنفسنا ورسم مساراتنا التنموية وابتكار رؤانا المستقبليّة بهدي من القرآن وسيرة نبيّنا الملهم البيّان.

ولكي أغلق الدّائرة التي ارتأيتها للإجابة عن سؤالك القيّم والخطير هذا، أستشهد بما قاله الشّيخ المجدد الإمام الطّاهر بن عاشور: "رأي السّلف أسلم، ورأي الخلف أعلم".لذلك فأنا مع احترامي للسّلف لأنّهم "أسلم"أي أقرب إلى نور الزّمان رسولنا الأكرم، فأنا لا أقدّسهم، ففيهم الصّالح وفيهم الطّالح، وليس كلّ من كان صالحا في وقتهم صالح في وقتنا. كما لا أتأخّر عن الاضطلاع بدوري الدّينيّ الإنسانيّ في خلافة الله على الأرض، وأنطلق من حقيقة كوني "خَلَفا أعلم"، لأنّي قادر على معرفة كلّ ما علموه، زائدا عليه ما لم يعلموه هم من معارف حديثة من "الذّرّةِ حتّى الكْوَانْتُومْ، ومن الخَلِيَّةِ الجِذْعِيَّةِ إلى الإلِكْتْرُونْ، ومن ذكاء النَّمْلَةِ إلى ذكاء الآلَهْ، ومن فنون الجُمْلَةِ إلى فنون الحَالَهْ، ومن أسرار الخُرَافَهْ، إلى أسرارِ الثّقافَهْ." (وهو مقتطع من كتابي التّأمّلي الذي هو بصدد الإعداد: "ما تبقّى")

 

منصور العيوني: وظيفة المثقف، النّقدُ الحيويُّ للنّظام القائم، الإحراج المعرفيُّ للسلوكيات الرّاسبة مهما ادّعت أنّها قدسية، التّركيب الإبداعيّ للواقع المعيش وتغذية أبعاده الإنسانية

 

محمد عسيلة:

بهذا الطرح سنكون أما تمفصل معرفي يخدم الوجود الثقافي لتحقيق الذات. لكن يتحمّل المثقف رسالة ومسؤولية في مقاومة ظلام الجهل والاستبداد، هل ترون أن هناك تقاعسا من طرف المثقفين الحداثيين مثلا الذين يقاومون موجات التدين في المجتمعات على أن الدين يدفع إلى الرجعية؟ هل الحداثة هي ظاهرة تعاكس الدين في نظركم؟ هل يخاف المثقفون من الدين والمتدينون من الثقافة والمثقف؟

منصور عيوني:

من يرى من مُثقّفينا أنّ الدّين يدفع إلى الرّجعيّة لم يصب كبد الحقيقة. ذلك أنّ توظيف الدّين من طرف الأنظمة المستبدّة بمأسسة الفقه وتصنيعه ثمّ تأبيده، ومن طرف القوى الدّوليّة المتكالبة على خيرات المنطقة العربيّة وحياكتها الماكرة لقصّة الإرهاب الدّينيّ، هي السّبب في هذه الرّجعيّة. بتعيبر آخر، فإنّ الدّين بما هؤ رؤية للعالم، لا يمكن أن يكون رجعيّا مُطلقا، وخصوصا إذا تعلّق الأمر بالدّين الإسلاميّ الذي هو دين الحنيفيّة بامتياز، أي التغيير المستمرّ مثلما ذكرنا ذلك سابقا. ولو تتبعنا المعنى القرآني للشرك لوجدناه يعني مشاركة الله عزّ وجلّ في خصوصيّته الأصيلة وهي الثّبات وعدم التّغيّر، إذ الحركة دليل على النّقص وهو المتنزّه بذاته عن أيّ نقصان. وعليه فإنّ الشّرك بالله يعني عمليّا أيّ توجه لتثبيت الأفكار ومنع تغيرّها. فكيف يمكن للدّين الذي روحه القرآن أن يكون رجعيّا؟

ولكنّ الدّين بما هو ممارسة تاريخيّة يصبح أرضا خصبة لتفريخ العنف ونموّ مادّة التّعصّب والإرهاب، متى قفزتْ عليه السّياسةُ وعلّبت الأفكار وجهّزتْ تعلّة فقهية لكل حركة ارتدادية من الثقافة أو المجتمع ترفض أن يُسَلَّطَ جهازُ الشّريعة على أعناقها. وعليه فأنا أتفهّم نقمة البعض على الدّين، وازدهار الإلحاد في تربتنا العربيّة بعد ثورات الخريف العربيّ الدّمويّة مثلما تدلل على ذلك دراسات ذات مصداقية، وانفصام أبنائنا في المهجر عن دين لا يرون فيه ما في مجتمعاتهم التي يعيشون فيها من حرّية واحترام لحقوق الإنسان.

بكامل المصداقيّة، أنا لا أرى أن الحلّ يحمله هؤلاء الذين ينقسمون إلى فريقين متحاربين: المثقّفون الحداثيون من جانب، والإسلامويّون الذين سمّيتهم "متديّنين" ومن جانب آخر. جميعهم يصرف جهده في حرب خاسرة. وما أؤمن به أنّ بداية الحلّ ذاتيّة فردانيّة في كيان كلّ مسلم ينبغي أن يطرح على نفسه ثلاثية من الأسئلة الصّعبة ومجرّدا من كلّ الخلفياّت الموروثة: ماذا يعني أن أكون مسلما اليوم؟ ولماذا أنا مسلم؟ وبماذا أنا مسلم؟ علّه تصيبه الحيرةُ الوجوديّة فيشرع في رحلة البحث عن الجواب.

محمد عسيلة:

تعاني الجاليات العربية/المسلمة في ديار المهجر من الاقصاء والتهميش المؤسساتي والمجتمعي رغم الأشواط التي قطعتها تاريخيا في بناء ذاتها وهويتها. و لقد بنت هذه الجاليات مساجد و دور العبادة و بعد احداث سبتمبر /أيلول و"شيطنة"الاسلام أصبح المد اليميني الشعبوي يبني برامجه الانتخابية واستقطاب داعميه على محاربة الاسلام و المسلمين. هل ترون مخرجا من هذا المأساة في اعتماد الجاليات العربية/المسلمة على التجلي والتحقيق الثقافي بدل الديني لخلق فكر تشاركي ومقاربات تعاونية؟

منصور عيوني:

أوّلا علينا كمسلمين معاصرين الاعتراف أنّنا سيِّئون جدّا في مقياس جودة تصرّفاتنا الإنسانية. وأنه من الصّعب علينا الانصهار في المجتمعات الجديدة التي تأوينا إلا متى أحسسنا بانتماء مواطنيّ صادق إليها. وهو ما لا نجده عند الغالبية العظمى من المسلمين المهاجرين. فما ترسّخ من رؤى وأفكار وممارسات، نعرفها جميعا، هي من قبيل: أعيش من خير بلجيكيا موظّفا في أرقى شركاتها وأسبّها صباح مساء، أنعم بمناخ الحرّية في ألمانيا وأستغلّه لأتلّقى أسس التّعصّب والإرهاب، أتزَوّج من دانماركيّة مسنّة كي أضمن وثائق الإقامة وأبدّلها بزوجة تونسيّة شابّة متى حصلتُ على الجنسيّة، أبرمج سفرة إلى كندا عندما تكون زوجتي على وجه الميلاد ليحصل المولود على جنسيّة كنديّة، وغير هذا كثير.

إنّ المخرج الصّحيح هو ما عبّرتم عنه بكثير من العمق والاختصار:"الاعتماد على التّجلّي الثّقافي بدل الدّينيّ"، وهو ما يجعلك ربّما من أوّل روّاد تيّار الإسلام الثّقافي الذي أشتغل عليه (إنها مداعبة ليس إلاّ، فأنا لا أؤمن بفكرة التّيّارات هذه بل أعتبرها وبالا علينا في الوقت الرّاهن من شدّة تنوّعها وتداخلها وتنافرها من دون قوانين لعبة، تجعلنا نحن المسكونين بهم السّؤال الدّيني، قادرين على فهم أنفسنا على ضوء ما تأتي به من أفكار وطروحات).

لكي نكون واقعيين، نحن ليست لنا القدرة على تغيير جذري في المشهد، إذ الطفرات الكبرى في تاريخ الحضارات يلزمها حقبة ممتدة من الاستقرار والتنمية والرقي المعرفي، وهو ما لا أراه ممكنا في منطقتنا في المستقبل المنظور. ولكنّ الهامش المتاح الذي ينبغي أن ننكبّ عليه هو تجديد الخطاب الدّيني، وهذا ممكن رغم جسامة التحدّي، وقد سبقنا إلى ذلك مفكرون ألمعيُّون كسروا حاجز الرهبة من الموروث، وآخرون قدّموا رؤى إنسانيّة مرموقة للدّين الإسلاميّ نستطيع أن نستمد منها مرجعية ما للتّجاوز ومواصلة المسير. أمّا عن طبيعة هذا الخطاب، وشروطه، ومضامينه، وطرق توصيله في عالم شبكيّ موصول الأطراف، فهذا ما يضيق المجال عن الخوض فيه. فقط أشير إلى أهمّ شرط وهو: لكي يخاطب المسلم غير المسلم في المجتمعات المضيفة، فعليه أن يتخلّص كليّا من الخطاب الدّيني التقليدي الذي يصوّر المسلم وكأنّه عماد الكون، في حين أنّه لا يعدو كونه مواطنا مثل كلّ المواطنين.

 


 

أشكرك جزيل الشكر على هذا الحوار الجميل والمضني في آن لأنه يمثل لي لحظة ولادة قد تكون طبيعية أو قيصرية لمفاهيم ومداخل عديدة لتحقيق تجل واع وإنساني كوني مبني على صيرورة و سيرورة، بمنهجية العابد المؤمن بالقضية المفكر في رصد آليات العيش المشترك و تحقيق الانسجام الاجتماعي كتونسي و كمغربي أينما حل و ارتحل لانه إنسان سفير و خليفة لبلده أينما حل و ارتحل.

الجزء الأول من الحوار:

http://www.mediamagde.com/ar/news/121 

سنواصل الحوار في حلقة أخرى نعالج من خلالها الأقليات المسلمة في المهجر وفقه الواقع والكليات الانسانية ودورنا في البناء الإنساني الجمعي و الكوني.

دمت سعيدا قرير العين بهذه الأفكار كأقمار منيرة.

كامل الود من أخيك محمد عسيلة.

 

* محمد عسيلة هو خبير الاندماج الثقافي على مدى 25 سنة زاول فيها التعليم والتكوين و التأطير و التواصل مع المؤسسات التربوية و الاجتماعية الألمانية والجمعيات والمساجد المغربية، راكم عدة تجارب، انخرط  بها في المجتمع المدني  وهو يحمل هموما عدة أراد من خلالها أن يحقق قفزة نوعية لأفراد الجالية المغربية في ذات المجتمع  عسى أن يصلح بها  الصور النمطية و السلبية التي يقويها الإعلام و عدم المعرفة بالآخر.

** منصور عيوني هو خبير التّجديد في التّنمية، يعمل مستشارا للحكومات والهيئات الدّوليّة، له إسهام في ملفّ السّلم المدنيّ بليبيا، كما يتحوّز على خبرة واسعة في مجال تكنولوجيا المعلومات بتونس وإفريقيا وكندا. يشتغل حاليّا على تجديد الخطاب الدّينيّ من أجل إعادة بناء الثّقة بين جيل عصر المعلومات وانتمائهم العربيّ الإسلاميّ والمقاومة المعرفيّة لتيّارات التّعصّب والإرهاب..


Copyright © 2019 MAGDE / All rights reserved.