بانوراما



كفاءات تونس بالخارج وغياب المخاطَب.. هل يتعلم التونسيون من المغاربة؟

26-01-2020 23:24:21

شكل دور التونسيين بالخارج وخصوصا الكفاءات وهيئات المجتمع المدني النشيطة في أوساط الجالية، محور اهتمام خاص في الندوة الفكرية التي نظمتها المؤسسة المغاربية الألمانية للثقافة والإعلام MagDe بالتعاون مع مؤسسة ابن رشد للفكر الحر ببرلين، بعنوان "تونس 9 سنوات بعد الثورة - بوادر ربيع جديد أم نُذر عدم يقين؟".

وبقدر ما ألهمت الثورة التونسية الجالية وكفاءاتها، ومنحت زخما جديدا لروابطهم مع بلدهم، إلا أن تنظيم دور التونسيين بالخارج وخصوصا الكفاءات والمجتمع المدني، يثير الكثير من الاستياء والانتقادات الموجهة للطبقة السياسية في تونس.

****

البروفيسورة ألفة كانون مديرة مركز أبحاث تقنية بجامعة كيمنتس الألمانية ترى أن من أهم المكتسبات التي حققتها تونس بعد تسع سنوات من الثورة هي الحريات، لكن هنالك تدهور كبير على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي، الأمر الذي جعل البلد غير قادر على الحفاظ على كفاءاته تحت وطأة نزيف الهجرة.

وأوضحت البروفيسورة كانون، أن هجرة الكفاءات التونسية انعكست بشكل كبير على الاقتصاد والمجتمع، كما أثارت مخاوف كبيرة على مستقبل التعليم الذي بات يفقد أفضل كفاءاته. بعد أن كانت جودة التعليم رأسمالا ثمينا تميزت به تونس على مدى عقود من الزمن، وبفضله استقطبت تونس مستثمرين دوليين.

واعتبرت الباحثة التونسية الألمانية أن دور الكفاءات والجالية التونسية في مواجهة التحديات التي تعيشها تونس يزداد أهمية وإلحاحا أكثر من أي وقت مضى. لكن المفارقة أنه ورغم المبادرات المتعددة والجادة من جانب الكفاءات وهيئات المجتمع المدني التونسية بالخارج تظل محاولات دون جدوى، تلاحظ كانون، مبرزة ان الهدف من تلك المبادرات واضح ومنطقي: ربط الجالية وكفاءاتها ببلدهم ووضع آليات لتنظيم المساعدة التي يمكنهم أن يقدموها له.

وأشارت البروفيسورة كانون إلى المبادرات العديدة التي ظهرت في الفترة التي أعقبت الثورة، وكان من أبرزها مبادرة أطلقت سنة 2012 برعاية المرسوم الدكتور منصف بن سالم وزير التعليم العالي الأسبق، وفي مرحلة لاحقة، ظهرت مبادرة أخرى سنة 2017 برعاية رئاسة الوزراء. وصولا إلى مبادرة ذات أهمية كبيرة صدرت من المجتمع المدني وبشكل أساسي من المؤسسة المغاربية الألمانية للثقافة والإعلام MagDe، المعروفة باسم مبادرة "منتدى جسور تونس" وذلك سنة 2018.

ورغم أنه يتم في كل مرة (مبادرة) بلورة صيغ وأليات لربط كفاءات الجالية التونسية ببلدها، فانه لا يوجد بالمقابل مخاطب واضح من الجانب الرسمي في تونس للحوار مع الجالية وكفاءاتها، تلاحظ الباحثة التونسية الألمانية، مستنتجة بأن هذا الخلل ينتج عنه أن تلك المبادرات تظل فردية ومحدودة التأثير في تنظيم دور الكفاءات وربطها ببلدها.

مبادرة "جسور تونس"

وفي كلمته الختامية للندوة أكد منصف السليمي رئيس المؤسسة المغاربية الألمانية للثقافة والإعلام أن تنظيم دور كفاءات الجالية وهيئات المجتمع المدني النشيطة فيها، يشكل أولوية في عمل المؤسسة وأن مبادرة "منتدى جسور تونس" متواصلة من أجل تفعيل التوصيات العديدة التي توصل إليها المنتدى الذي نظم في أغسطس آب 2018 بتونس.

وأضاف أنلقاءا تشاوريا موسعا عقدته MagDe بالتعاون مع APTA في سوسة في أغسطس آب 2019 بمناسبة مرور سنة على انعقاد المنتدى الأول، وتم خلاله تقييم حصيلة منتدى جسور تونس، والاتفاق على أجندة أولويات من البرامج الهادفة لتفعيل دور التونسيين بالخارج في التنمية الجهوية ببلادهم وخصوصا المناطق الأقل حظوظا في التنمية، كما تم الاتفاق على وضع آلية تنسيق بين عدد من الكفاءات وهيئات المجتمع المدني بتونس وألمانيا وبلدان أوروبية أخرى.

وتفاعلا مع تساؤل البروفيسورة كانون حول ماذا تفعل تونس بجاليتها وكفاءتها، تساءل الدكتور سرحان ذويب أستاذ الفلسفة بجامعة هيلدشايم الألمانية، ما تفعل الكفاءات والنخب بدولتها، مشيرا إلى مسؤولية الكفاءات والنخب إزاء بلدها وفي مواجهة التحديات الصعبة التي يجتازها بلدها في المرحلة الراهنة.

وتساءل الدكتور ذويب لماذا ننتظر كنخب أو كمجتمع مدني، دائما، أن تأتي الدولة وتقوم هي بتنظيم العلاقات داخل المجتمع وتضع هي البنيات لذلك، ولماذا لا تبادر النخب وهيئات المجتمع المدني من جهتها سواء في ألمانيا أو أوروبا، بوضع آليات وبنيات لتنظيم دورها وتشكيل قوة ضغط إيجابي على الدولة في تونس كي تأخذها بعين الاعتبار.

ودعا الباحث التونسي الألماني إلى إيلاء مسألة العلاقة بين تونس وكفاءاتها وجاليتها في الخارج أهمية استراتيجية، انطلاقا من التحول الذي وقع بفعل الثورة، حيث تحولت العلاقة من دولة تراقب مواطنيها وكفاءتها في الخارج استنادا إلى نظرة أمنية بالأساس تثير خوف المثقفين والنخب، إلى مرحلة جديدة بعد الثورة لم تتبلور فيها بعدُ طبيعة العلاقات الهيكلية التي يمكن من خلال أن تساهم الكفاءات والنخب في إنجاح التجربة الديمقراطية في تونس.

وانتقد الباحث التونسي الألماني غياب الرؤية والضبابية التي تتسم بها سياسة تونس إزاء ملف العلاقة مع الكفاءات في الخارج، مقترحا وضع هياكل تسهر على تنظيم الحوار حول هذه المسألة وبلورة تصورات لإقامة علاقة بناءة وشفافة ضمن نظرة شاملة أيضا للعلاقات بين ألمانيا وتونس. وأشار إلى مجالا استراتيجية مثل البحث العلمي والتعاون الجامعي.

مقارنة بالتجربة المغربية

من جهته تساءل الدكتور كريستيان هانيلت كبير الخبراء في شؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بمؤسسة برتلسمان الألمانية، لماذا لا يستفيد التونسيون من التجربة المغربية في تنظيم الجالية وكفاءاتها، مشيرا إلى وجود وزارة خاصة بالمهاجرين المغاربة.

ويذكر أن المغرب يعتمد صيغة مزدوجة لتنظيم شؤن جاليته بالخارجية، فبموازاة وزارة الجالية التي تهتم بقضايا الجالية وتنظيم المبادرات المتعلقة بالكفاءات المغربية في الخارجية وتشكل المخاطب الرئيسي لها مع الإدارات المغربية المختلفة على المستويين المركزي والجهوي، هنالك مؤسسة موازية يطلق عليها مؤسسة الحسن الثاني التي تعنى بالرعاية الاجتماعية والثقافية والروحية للجالية، وتعمل هذه المؤسسة برعاية مباشرة من المؤسسة الملكية.

بينما تتعدد الجهات المعنية بشؤون الجالية التونسية بين إدارات ووزارات عديدة، مثل ديوان التونسيين بالخارج، ووزارة الجالية والشؤون الاجتماعية بالإضافة لوزارة الخارجية والوزرات المعنية بملفات الاستثمار والاقتصاد. ولا يوجد مخاطب واضح وخصوصا عندما يتعلق الأمر بمبادرات نابعة من المجتمع المدني أو الكفاءات التونسية بالخارج. كما أن المجلس الوطني للتونسيين بالخارج الذي تم استحداثه في الفترة الأخيرة ما يزال لم ير النور، فضلا عن أن طابعه الاستشاري وطريقة تشكيله وتركيبته، لا يؤشر على أنه يتوفر على مقومات ضرورية ليكون مخاطبا ناجعا في قضايا الجالية ولاسيما ما يتعلق منها بدور الكفاءات.

عتاب للطبقة السياسية في تونس

ومن جهته لاحظ الباحث عبد الحق الزموري مدير مركز أبعاد للدراسات المستقبلية بتونس، أنه رصد خلاله مشاركته في الندوة التي نظمتها مؤسسة MagDe ببرلين، وجود استياء مما آل إليه اهتمام الدولة التونسية بالكفاءات التونسية بالخارج، وهو اهتمام يوضح زموري: "يتضاءل يوميا بعد يوم في ظل انحصار اهتمامات الدولة والطبقة السياسية بالجالية التونسية في الخارج وكفاءاتها، في ظل الانشغال وانحسار الاهتمام بصراع الديكة بين السياسيين التونسيين".

وأوضح الزموري أنه في ظل هذا الوضع فان الكفاءات والجالية التونسية بالخارج، "تجد نفسها إزاء غياب السند لها من قبل الدولة وعدم وضوح في سياستها"، داعيا إلى الإسراع بإنهاء بناء المؤسسات السياسية في تونس وفسح المجال لوضع آليات للتفكير في دور الكفاءات التونسية بالخارج ومساهمتها في بناء بلدها.

بينما رأى الدكتور فوزي دربال أستاذ الكيمياء بجامعة لايبزغ، أن الفترة التي أعقبت الثورة أظهرت كيف أن الإدارة التونسية ظلت تعمل في إطار الاستمرارية، لكن الطبقة السياسية لا تواكب تطلعات المجتمع التونسي، وهي تنخرط في صراعات شخصية وسياسوية يغيب فيها بالاهتمام بالبرامج، وهو وضع يمكن أن تنتج عنه مخاطر في المستقبل. وأكد الدكتور دربال أن الكفاءات التونسية بألمانيا تبذل جهودها للعب دور من أجل ربط الصلة بين تونس ومؤسساتها بالجانب الألماني، وفق نظرة شراكة قائمة على القاعدة الذهبية "رابج - رابح"، مشيرا إلى دور كفاءات تونسية عديدا في برامج التعاون بين البلدين، لكن هذا الدور يقوم على مبادرات فردية، وما زلنا ننتظر إقامة هيكل إداري في تونس يهتم بالنخب والكفاءات التونسية بالخارج.

وبرأي الناشط السياسي والخبير في مجال الأمن السيبريني الدكتور أيمن القاطري المقيم في دوسلدورف، فان الجالية التونسية أبنت في مختلف المراحل بأن لها دورها وهي دوما حريصة على أن يراعى هذا الدور وأن يُحظى بالاحترام. وأضاف القاطري بأن الجالية التونسية معتزة بانتمائها وبهويتها الوطنية، رغم ما يُقال أو ما يتعرض له بعضها من محاولات إساءة، بدعوى مسألة ازدواجية الجنسية. في إشارة منه لتصريحات مسيئة صدرت عن نائب برلماني في تونس بحق حاملي الجنسية المزدوجة.

وأبرز القاطري أهمية الدور الاقتصادي الذي يمكن أن تلعبه الجالية وكفاءتها كخير سفير اقتصادي لتونس وليس فقط كسفير بالمعنى الرمزي والثقافي، بحكم الرؤية والإمكانيات وشبكة العلاقات التي تتوفر عليها من مواقعها المختلفة سواء في ألمانيا أو في أوروبا.

تقرير MagDe