بانوراما



مسلمو ألمانيا بين المطرقة والسندان ـ بين التطرف والإسلاموفبيا وكورونا

07-04-2020 15:30:27

مقال جديد للأستاذ محمد عسيلة

أستاذ محاضر و مستشار في الشؤون التربوية و الاندماج بألمانيا

****

ونحن نتفحص مرضانا ونتفقد إخواننا وأخواتنا نتيجة هذا الحجر ونرثي شهداءنا الذين توفوا بسبب هذه الجائحة ونتابع اصطحابهم وعائلاتهم افتراضيا بسبب الإجراءات الوقائية الصارمة في كل الدول نتيجة هذه الكاسحة إلى مثواهم الأخير، و مساجد الرحمان في هذا الحين موصدة، بدأنا نخشى إلى جانب الحكومة الفيدرالية تنامي العنف والبطش اليميني بسبب هذه الأزمة المرتبطة باكتساح كورونا لعوالم الحياة اليومية والاقتصادية و الاجتماعية، عنف تجاه دور العبادة و اتجاه الأجانب عامة و المسلمين خاصة.

فالمساجد والمسلمون أصبحوا هدفا يرمى (برفع الياء وفتح الميم) بطوية وبعد سبق إصرار وترصد والحكومة الفيدرالية مشلولة اليد في اتخاذ تدابير زجرية شاملة ضد هذا اليمين المتطرف وهذا الفيروس المجتمعي الخبيث والكيدي والحقود.  فكل أسبوع تتم مهاجمة مسجد من المساجد فوق التراب الألماني حسب بعض الاخصائيات

 

https://www.sueddeutsche.de/politik/angriffe-in-deutschland-26-anschlaege-auf-moscheen-in-acht-wochen-1.3909390


إن التغيير في التطرف اليميني بألمانيا من حالات معزولة ومستترة إلى الجهر به في وضح النهار لبيّن و جلي خصوصا عند النظر في نتائج  الانتخابات البرلمانية والمظاهرات التي قامت بها مجموعة "بيغيدا" في عدد من المدن الألمانية - و هو تحالف شعبوي سمى نفسه بالوطني ضد أسلمة أوروبا.  وتجدر الإشارة هنا إلى أن نتائج الانتخابات ليست المؤشر الوحيد على نجاح اليمين الشعبوي، بل إلى هذا الصمت المجتمعي الذى نعاينه من رجل الشارع والإعلام و تلويناته ومنصاته الافتراضية، صمت مخيف حقا يخترقنا كمسلمات ومسلمي هذا البلد ومواطنيه من جهة ومن عدم اكتراثنا نحن بالمشاركة السياسية بل مقاطعتها حسب تصورهم "شرعيا" من طرف بعض الإخوة سامحهم الله مادام حسب رؤيتهم و إبصارهم الدخول في هذه اللعبة الديموقراطية دخول مذنب تترتب عنه معصية و علينا آن نتوب منها و نرجع إلى الله. 

لكن تبقى الانتخابات مؤشر مهما لاستجابة السكان، خاصة وأن التطرف اليميني في هذا البلد يركز بشكل خاص على الانتخابات ويركز حملاته عليها. وبالتالي يمكن تقسيم تطور التطرف اليميني في ألمانيا، الذي يغلب عليه شكل الحزب، إلى أربع مراحل:
مرحلة 1945-1961:

 استفاد التطرف اليميني في البداية إلى حد ما من المشاكل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية العميقة التي أعقبت الحرب، لا سيما من انقسام ألمانيا وعمليات الطرد من المناطق الشرقية السابقة. في انتخابات البوندستاغ عام 1949، فازت الأحزاب اليمينية المتطرفة بما مجموعه أربعة بالمائة من الأصوات (18 مقعدًا). حصل حزب الرايخ الاشتراكي (SRP)، الذي تم حظره في عام 1952، على 11 بالمائة (16 مقعدًا) في ولاية سكسونيا السفلى في عام 1951 وثمانية بالمائة (8 مقاعد) في بريمن. في جنوب ألمانيا، تحالف المتطرفون اليمينيون مع مجموعات من النازحين وتمكنوا في عام 1950 من إرسال بعض الممثلين إلى برلماني الولاية في بافاريا وفورتنبرغ-بادن. لكن القوة التكاملية للنظام السياسي والاقتصادي للجمهورية الاتحادية نمت بسرعة ("المعجزة الاقتصادية") وأبعدت إلى حد كبير الأساس الاجتماعي من التطرف اليميني. 

https://www.tagesspiegel.de/berlin/messer-demos-frust-in-cottbus-bis-es-knallt-in-der-stadt/20890964.html

مرحلة 1962-1982:

في أوائل الستينيات، تم بذل جهود لتجميع كل التكتلات الصغرى داخل المعسكر اليميني المتطرف، مما أدى إلى تأسيس الحزب الوطني الديمقراطي في ألمانيا  NPD في عام 1964. كانت النتيجة الحاسمة للانتخابات الفيدرالية لعام 1969 هي تشكيل تحالف اجتماعي ليبرالي من الحزب الديمقراطي الاجتماعي والحزب الديمقراطي الحر تحت رئاسة المستشار ويلي براندت.
لقد قامت أحزاب النقابات التي أُرسلت إلى المعارضة لأول مرة بتحول سياسي نحو اليمين هيمن عليه بعض المثقفين الذين سعوا إلى التجديد الفكري للأسس النظرية للتطرف اليميني. من هذا نمت مجموعات ثورية وطنية في عام 1974.
كانت مرحلة السبعينيات بداية التفتت لقوى التطرف اليميني، بينما ازداد نتيجة هذا التفتت العنف والتشدد النازي الجديد. وفقا للمعلومات الرسمية، ارتفع عدد أعضاء التطرف اليميني المنظم في البداية إلى 39000 بحلول عام 1967، لكنه انخفض بعد ذلك إلى مستوى منخفض بلغ 17000 في عام 1979.
 مرحلة 1983-1990:

بدأت المرحلة الثالثة من تطور التطرف اليميني في أوائل / منتصف الثمانينيات، حيث عرفت هذه المرحلة لحظات من الاضطرابات الاجتماعية والسياسية هي التي عززته. على عكس المرحلتين السالفتين، كانت هذه عوامل (أو لا تزال) فعالة إلى حد ما في جميع دول أوروبا الغربية، مما يجعل هذا التطرف اليميني "الجديد" ظاهرة أوروبية بامتياز. 

إن التغيير الاجتماعي، والتحديث التكنولوجي، والنمو الاقتصادي المنخفض، والبطالة الجماعية المرتفعة، وتقليص الإنفاق الاجتماعي، والاضطرابات السياسية والاجتماعية في أوروبا الشرقية، وبزوغ التباين في مؤشرات النمو الاقتصادي بين شرق ألمانيا وغربها، وحركات الهجرة ومشاكل اللجوء ليست سوى عدد قليل من المؤشرات والهزات الرئيسية التي تصوغ الإشكالية لجميع دول أوروبا الغربية. يضاف إلى ذلك فقدان معنى الدولة القومية في مواجهة العولمة الاقتصادية والسياسية. وهذا ما تعيشه هذه الدول الرأسمالية في مواجهة كورونا، حيث نددت إيطاليا كعضو في الاتحاد الأوروبي بتركها تواجه مصير الموت المحقق لشعبها والولايات المتحدة التي بدأت تقرصن الكمامات وتهدد بالتدخل العسكري والمقاطعة الاقتصادية إن هي لم تحصل على المراد والمبتغى. و هذه كلها طعم لهذا التنين اليميني الذي سيستغل هذه التمظهرات للخروج وبطريقة عنيفة ضد الأجانب ومسلمي هذا البلد إلي العلن.
الملفت للنظر في سنة 1989 أن منظمات اليمين الشعبوي نمت ووصلت إلى 50000 منخرط دون احتساب المتعاطفين و الصامتين.
منذ عام 1990تعتبر هذه المرحلة مرحلة حاسمة في التاريخ الألماني، فهي مرحلة بدايات الوحدة الألمانية وهي المرحلة الرابعة في تاريخ تطور اليمين في ألمانيا. ففي هذه الحقبة تم إرساء أسس التطرف اليميني فيما كانت تسمى قبل الوحدة "ألمانيا الشرقية" في أرض جمهورية ألمانيا الديمقراطية "المناهضة للفاشية".

عززت البرامج الاندماجية والتوجه الاشتراكي للحزب الديموقراطي ظهور التوجهات الاستبدادية والقومية وكراهية الأجانب لما يحصلون عليه من دعم داخل البرامج الاندماجية. مع تزايد عدم الرضا عن ظروف العمل والمعيشة في الثمانينيات، تطورت حركات الاحتجاج اليمينية المتطرفة أيضًا في هذه الحقبة، والتي تكثفت في أوساط ثقافية فرعية. نظرًا لأن الاحتجاج العام في دولة بوليسية يتطلب مستوى عال من المخاطرة، فقد اتسم مشجعو كرة القدم و حليقي الرؤوس في جمهورية ألمانيا الديمقراطية (ألمانيا الشرقية سابقا) بالعنف والوحشية الهائلين. مع سقوط الجدار، تضخمت احتجاجات الشباب، وانتشرت في الأوساط الاجتماعية العمالية بشكل أكبر، واستقبل الشباب الجماعات النازية الجديدة استقبالًا إيجابيا حيث اقتنصوا عطفهم و استمالوهم.
بين عامي 1991 و 1994، شهدت جمهورية ألمانيا الاتحادية زيادة في العنف العنصري إلى حد غير مسبوق، حيث تم ارتكاب 50 % من أعمال العنف في شرق ألمانيا والتي لا تعرف ساكنة من مواطنين و مواطنات بخلفية أجنبيةـ مفارقة غريبة!. فكان ظهور الجماعة الإرهابية القومية الاشتراكية السرية “NSU"، التي يُزعم أنها قامت بعشر جرائم قتل والعديد من عمليات السطو النقطة التي أفاضت الكأس لدى مؤسسات الأمن و إدارات المحافظة على الدستور وجعلت المجتمع يرتجف مما وصلت إليه آليات وفهم واقع ديموقراطية المجتمع الألماني من استفزاز صارخ 
كان التطرف اليميني المنظم في هذه المرحلة قويا عكس ما وصل إليه الآن حيث أصبح عنيفا و مخيفا ولكن في حالة مهجورة. ففي عام 1993، كان عدد المنخرطين المحتمل الذي أفاد به مكتب حماية الدستور 64500، مقارنة بـ 21700 في عام 2013. بعض هذه التكتلات اليمينية المتطرفة بدأت تعيش في الظل فقط ولكن قد تخرج إلى الفعل حين توفر الشروط. وهذا ما نخشاه كمسلمي ألمانيا من استغلال وضع تدهور الاقتصاد إثر هذه الجائحة ويحصل تمثل بين كل هذه الأحزاب اليمينية المتطرفة.
في هذا السياق يبدو أن "حزب البديل من أجل ألمانيا" الشعبوي “AfD" ، والذي يعتمد على التأكيد على الهوية الوطنية والعرقية والثقافية كجزء من نظام أكثر استبدادية وأكثر ليبرالية من حيث السياسة المحلية والاقتصادية، يبدو أنه يمتص حصة الأسد من إمكانات الناخبين من أقصى اليمين. فعلى الرغم من الانخفاض الكبير في عدد الأحزاب اليمينية المتطرفة، فإن الأخطار المحتملة التي يشكلها التطرف اليميني لا تزال كبيرة، كما يتبين من تخوفات الحكومة الألمانية.
وتجدر الإشارة في هذا السياق أن السلطات الألمانية سجلت العام الماضي 871 هجوما على المسلمين والمساجد. ووفقا للحكومة الفيدرالية، يعتبر هذا العدد مخيفا ويشكل معدل هجوم واحد كل أسبوع على مسجد من المساجد. ولقد تناولت بعض الأحزاب منها حزب الخضر هذا الوضع و طرحت السؤال على الحكومة الفيدرالية حول الاجراءات التي تريد تطبيقها مصالح الأمن من أجل حفظ سلامة المساجد و المسلمين.
وقد تم بالفعل تسجيل أكثر من عشر هجمات في الأسابيع الستة الأولى من هذا العام وحده. بالإضافة إلى ذلك، كانت هناك تهديدات منتظمة بالقنابل، مثل أحدثها في إيسن وهاغن وبيليفيلد وأولم. وتهدف هذه التهديدات بشكل خاص إلى خلق زوبعة من الفتن والهلع في الأوساط المجتمعية عامة كي يظهر المسلمون بأنهم جائحة يجب استئصالها من هذا المجتمع ليعم السلام ويحصل التجانس. 

أمام هذه الوضعية دعت الجمعيات الدينية الإسلامية إلى توفير حمايتها وقدمت أسئلة كتابية إلى الجهات المسؤولة حول مقاربتها الأمنية. في الماضي القريب، قوبلت هذه المطالب باللامبالاة وقد نقول بالرفض لفترة طويلة جدًا. فوفقا لمسح أجرته بعض الصحف منها صحف كنائسية لمقاربات وزارات داخلية الولايات الاتحادية، فإن معظم هذه الولايات الاتحادية لم تخطط لزيادة الإجراءات الأمنية رغم تزايد هذا العنف اليميني. ولا بد من الإشارة هنا إن هجوم هاناو الذي وقع يوم 19 فيبراير 2020كان القشة التي قسمت ظهر البعير حيث أعلن وزير الداخلية الاتحادي هورست زيهوفر أنه يريد توفير المزيد من الخدمات الأمنية لـ "المنشآت الحساسة"، بما في ذلك المساجد، بمساعدة قوات الأمن.

ولقد تقدم المجلس الأعلى للمسلمين ZMDإلى جانب عدة تمثيليات باقتراحات عملية منها خلق منصب لمفوض خاص من قبل الحكومة الألمانية يكون من واجبه التحاور مع المجتمع، ورصد أية اعتداءات على المسلمين على شاكلة المفوض الذي يتابع معاداة السامية. وذكر رئيس المجلس الأعلى للمسلمين السيد أيمن مزيك أنه من واجب هذا المفوض الخاص أيضا أن يبلغ الجهات الأمنية بالتقارير الاعلامية، وأن يعزز التثقيف السياسي المجتمعي فيما يخص قضايا الاعتداء على المسلمين.

وبعد قدوم اللاجئين إلى ألمانيا قام اليمينيون بتعزيز شوكتهم باستخراج قضايا تهم ارتفاع إحصائيات الجريمة التي أوزعوها لدخول هذه الشريحة واستقرارها في ألمانيا. ويقوم اليمين المتطرف باختلاق قضايا أخرى لتغذية مناخ مثير للقلق ونعت جميع طالبي اللجوء المسلمين بأنهم قتلة أو مغتصبي نساء.

وزعمت مدونة لليمين المتطرف أن حياة الألمانيات باتت “منذ الغزو” عبارة عن سلسلة من الاعتداءات الجنسية وجرائم القتل وتعني بالغزو استضافة ألمانيا مليون لاجئ. كما لا تفوتني الإشارة هنا إلى استغلال مواقع التواصل الاجتماعي من طرف اليمين في فبركة الاخبار وصناعة الكراهية ضد المسلمين.
ومع تفشي أزمة كورونا وعودة إلى المسار التاريخي الذي تحدثنا عنه في بداية هذا المقال، تخشى الحكومة الفيدرالية من زيادة العنف اليميني في أعقاب أزمة هذه الجائحة. فلقد أعلنت وزارة الداخلية الاتحادية أمام البوندستاغ، أن هناك أنشطة متزايدة وتخطيطًا للجماعات اليمينية، وفقًا لصحيفة تاغس شبيغل Tagesspiel في عددها يوم 27 سبتمبر 2018،وقالت إن ممثلي المكتب الاتحادي لحماية الدستور ووزارة الداخلية الاتحادية أبلغوا رؤساء لجنة الداخلية عن الأنشطة داخل المشهد اليميني.

وجاءت جائحة كورونا ليواجه المسلمون عامة والمغاربة بوجه خاص مصيرا جديدا مرتبطا بدفن موتاهم بأرض الوطن وتأسيس مقابر إسلامية بمدن إقامتهم وتقديم مساعدات لذويهم وللمجتمع المدني داخل ثقافة التضامن الفطرية التي يتصف بها المواطنون المغاربة:

نعم اليمين المتطرف أمامكم ومستقبل غامض وراءكم وليس لكم و الله إلا الصدق والصبر!

 

المقال يعبر عن وجهة نظر كاتبه الشخصية وليس بالضرورة رأي موقع ***

www.mediamagde.com